أحببت القراءة لأنها تقربني من الحق
القراءة والعلم طريقًا إلى الحق: شرف المتعلم بشرف ما يحمله، وتحري اليقين، والأصول منارات يستدل بها على معالم الحق.
نحن مع القراءة نعبر القرون، ونزور الشعوب، ونرصد التاريخ، ونستلهم العبر، ونأخذ الدروس، ونفرق بين الخير والشر، والحق والباطل.
أحببت القراءة لأنها تقربني من الحق، وتجلي في وجداني حقائق الوجود، ولأنها تبصرني بعيوبي ونقصي، فتعينني - بعد معونة الله - على تدارك شيء من الكمالات التي لا بد أن تفوتني، وتزهدني في ما قل نفعه، وتعرفني أقدار أهل العلم الذين آثروه على كل ما سواه، فعبق التاريخ بذكر رسمهم وآثارهم.
إقبال النفس على الحق الخالص لا يشبه إقبالها على الحق المشوب بالباطل. وهذا أكثر ما يصدق على القراءة؛ فحقها تتعلق به النفس، وباطلها لا يثمر إقبالًا.
التعبير بـ(طالب علم) وإن كان أخص بطالب علوم الشريعة، إلا أنه يصدق على كل قارئ جاد يبحث عن الحق واليقين في أمر من أمور الدنيا أو الآخرة. وإنما يشرف المتعلم بشرف الحق الذي يحمله؛ فإذا خلا علمه من الحق تساوى بالجاهل!
من يأخذ العلم عن كل صادر ووارد، ولا يتحرى الحق واليقين فيما يطلب، فهو مخلط كحاطب ليل، وما يكتسبه ويحسبه علمًا إنما هو وهم يكاد أن يكشف جهله. والعلم الذي لا يقوم على أصل هو مظنة التزييف والخديعة أو الانحراف عن الحق، فالأصول منارات بها يستدل على معالم الحق، والتصورات التي تنقذف بلا بينات تسندها مشحونة بالعلل.
مضت قرون تلو قرون والعلماء يكدحون سعيًا في تجلية الحق وتصفيته من شوائب الكذب والتزوير والبهتان والأغاليط والشذوذ، فلا تغتروا بأقرب تزييف وتزوير. وللعلم هيبة في قلب صاحبه، فمتى ما زاغ عن الحق ردعه العلم بالحق.
الحياة التي نقضيها قارئين، وباحثين فيما نقرأ عن توازنات نتشبث بها، ومعالم للحق والخير والجمال نتغيا بلوغ ذروتها، هي الحياة التي تستحق أن نحياها، ونستنفد الجهد في بلوغ غاياتها، وإن كانت مترامية لا متناهية، عندها نشعر بمعناها وضرورتها، كما الهواء في مجاري الأنفاس.