التصالح مع الذات
تأملات في الانسجام مع الذات ومعرفتها، والتفريق بين التعاطف معها والتمركز حولها والنرجسية، وأثر القراءة في تدارك نقصها.
أنت..! إذا انشغلت بكل شيء عن نفسك خسرت، خسرانًا لا يجبر.
أكثر ما يجعل الإنسان ينسجم مع الكون من حوله هو أن يبذل جهدًا ابتداءً في أن ينسجم مع ذاته. وأحد أهم وأعظم مقومات السعادة التي نادرًا ما نلتفت إليها هو التصالح مع الذات!
معرفة الذات تتمثل كبحث في حس الحياة، وبحث في الانعتاق، يعني اكتشاف الحقيقة، حقيقة تظهر وتتجلى بصورة دائمة الجدة، وبانتهائها إلى الحكمة، تصنع كائنًا حرًا. «ليس يحيا إنسانًا، من لا يسأل نفسه عن نفسه» أفلاطون.
حب الذات المقدس يعني التعاطف معها وليس التمركز حولها. وأكثر الهموم والأفكار السلبية والمنغصة سببها التفكير المتمركز حول الذات، فيكون الإنسان منشغلًا ومنكبًا على عالمه الخاص الداخلي. يؤدي هذا التفكير بشكل أو بآخر إلى المبالغة في تقييم الآراء الشخصية والمشكلات، وذلك نتيجة تجاهل الواقع، ويؤدي إلى ضيق الأفق، والفكر يحتاج إلى فضاء رحب.
والنرجسية والمبالغة في تقدير الذات والمنجز، وتوهم الكمال في النفس، وتنقص الآخرين؛ كل ذلك أو بعضه إذا وقع فيه إنسان انحدر به إلى السفه والجهل!
لكن التشجيع والثناء العطر بلا مبالغة هو الذي يحفز الإنسان لمزيد من العطاء والبذل؛ فإذا لم تجد من يحتفي بك ويثمن عملك، فحق عليك أن تقوم أنت بذلك. يتسم الواقع بالقصد إلى توجيه الأنظار نحو الإثارة؛ الإثارة بالرأي الشاذ، والكلمة الهجينة، والصورة الممسوخة؛ وتقديرك لذاتك يقيك أن تستثار.
الواقع يتبدى بحسب الذات التي تتمثله؛ فيكون جميلًا ومبشرًا بالخير ومنبعًا للسرور في الذات المتزنة المتفائلة، ويكون قبيحًا وسمجًا عندما تدركه ذاتية متبلدة سطحية منغمسة في التشاؤم.
الذات تتفكك مع مرور الوقت وتعاقب المتغيرات، وبالقراءة المتبصرة يتدارك الإنسان نقص نفسه وخمول وعيه، وبالبصيرة تسمو الروح فتدرك مصالحها، وتتدارك عثراتها.
حين نشعر بالقراءة وجودًا يحتوينا، تلملم ما تبعثر منا، وتربت على قلوبنا، تضيء عتمتنا، وتتلاشى معها حيرتنا، لا نملك إلا أن تنثال خلجاتنا، فيجري نبع الشعور فياضًا، بنشوة التصالح مع الذات، وسكينة الانجماع على النفس، إنها لحظة خاطفة لا نكاد نقبضها!