مكتبة تركي الغامديالتدوينات

تأملات ·

جنس الإنسان مركب من النقص

تأملات في ضعف الإنسان ونقصه: غلبة الغضب والشهوة، وأقنعته، وخطر الثناء والاستحقاق، وسقوط القدوات لأنهم بشر.

جنس الإنسان مركب من النقص، والحكم للغالب، وقد تأتي الرعونات ممن عرفوا بالحكمة وكمال الصفات لأنهم بشر، وليس لأنهم عرفوا بها. وما الإنسان إلا تركيب معقد من العلائق والرغبات والمكبوتات والتناقضات والمشاعر التي تعسكر خلف أقنعته، تميط عنه اللثام حوادث الزمان. ولو كنا نكتب خلف الكواليس ونعمل في الظاهر، لتهاوت أكثر المثاليات المزيفة، وظهرت للعيان حقيقة الإنسان التي أساسها النقص والتعثر.

من ضعف الإنسان زوال عقله عند ثورة الغضب وثوران الشهوة، فلا يكاد يبصر في هذه الأحوال غير ما يمليه هواه، فينكر نفسه لو رآها على تلك الحال. تتسلط ذبابة تعيسة فتثير ضجر الإنسان وتذهب بحلمه، تلتف عليه من كل صوب، تتحداه على ضعفها وهوانها، وهو يلاحقها كمن فقد عقله، فتنهك قواه ويستسلم لضعفه! {وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج: 73].

وقد يضر الإنسان نفسه بكثرة لومها، ويورثها الهوان بالمبالغة في تضخيم أخطائها، ويسلبها إرادتها بتخذيلها حتى يقعد بها عن العمل؛ فلا يبلغ العدو منا بقدر ما نبلغه نحن من إلحاق الضرر بأنفسنا.

ما يبلغ الأعداء من جاهلٍ
ما يبلغ الجاهل من نفسه

وشعور الاستحقاق الذي يطغى على الإنسان قد يوقعه في جحود النعمة والاستكبار عن شكرها. وينسى الإنسان نفسه وسط ضجيج المديح والثناء وستر الله المرخى عليه. قال ابن السماك: «إن أناسًا غرهم الستر وفتنهم الثناء، فلا يغلبن عليك جهل غيرك بنفسك».

لا يستغني الإنسان عن اتخاذ قدوة يحبه ويعجب به؛ فالأب قدوة لأبنائه، والعالم قدوة لطلابه...، ولكن سقوط القدوات يترك في النفوس حسرةً وخيبة أمل، فلا ينبغي أن ننسى أن القدوة مهما عظم شأنه فهو إنسان معرض لكل آفة، فالقدوة قد يتغير، ولكن المعول على المنهج الحق الذي لا يتغير.