لا ينفرد إنسان بالحق
عن أن الحق لا يحتكره أحد ولا يُعرف بالرجال، وعن الإنصاف في قبوله من المخالف ونقد التعصب والغلو في الأشخاص.
لا ينفرد إنسان بالحق دون سائر الخلق؛ لكل قاصد للحق نصيبه منه بين مقل ومستكثر بحسب تجرده، وقد يختلط ما معه من حق ببعض الباطل فيُسدد ولا يفسق. الجميع، بما فيهم أنا، يدعون أنهم يمتلكون الحق والعقل والمنطق وصواب الفهم، لكلٍّ نصيبه من ذلك بلا احتكار.
وكلٌّ يدعي وصلًا بليلى
وليلى قد تقر لهم بذاك!
مشكلة البعض أنه لا يرى الحقيقة إلا من خلال نظرته القاصرة، ويحسب أن الحق كله قد اجتمع له دون سائر الخلق، فلا دليل ولا برهان ولا بينة لقوله! وقد نصل في بحث من مباحث العلوم إلى مستوى يقال عند ذلك: إن هذا هو الحق، ولكن ذلك لا يعني أن حقيقته قد جُمعت من أطرافها، فتبقى المعرفة ناقصة.
ولن تَستكمل قناعاتك المعرفية في القضايا المُشكلة إلا بعد النظر في الآراء المتباينة، نَظرَ طالبٍ للحق؛ عندها قد يستقر يقينك فيما أشكل عليك. ومِن كمال عقل الباحث عن المعرفة أن يقدُر لأهل القرائح من أولي العِلم والنُّهى قَدرهم، ولا يتعالى عن أخذ الحق منهم ولو خالف هواه ومُشتهاه.
يندر أن تجد من يقبل الحق ويأخذه بطيب نفس ممن جاء به وإن كان يختلف معه، حتى بعض طلاب العلم لا يكادون يسلمون من تحزب ضد صاحب الحق الذي يخالفهم. قال بعض الصحابة: «اقبَل الحقَّ ممَّن قاله، وإن كان بغيضًا، ورُدَّ الباطلَ على مَن قاله، وإن كانَ حبيبًا». ويأبى الله إلا أن يتفرَّد بالكمال، وكما قيل:
والنَّقصُ في أصلِ الطبيعةِ كامنٌ
فبنو الطبيعةِ نقصهُم لا يُجحَدُ
وبعض الحق لا يفسده إلا الأتباع برعونتهم وجهلهم وبذاءة منطقهم، ولكنه سيبقى حقًّا عند أهل العدل والإنصاف. ومن أعظم منابت التطرف الغلو في الأشخاص وتقديس أقوالهم، وقد كان السلف كثيرًا ما يوصون بقولهم: «إن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله». والمتعصب لا يتحرى الحق ولو تعلق بأستار الكعبة.