فأنت للخالق ولست للخلق
عن الارتباط بين الحرص على إرضاء الناس واهتزاز الثقة بالنفس، والدعوة إلى التحرر من سلطة نظرتهم وتقييمهم.
بين الحرص المستميت على طلب موافقة الخلق والبحث عن رضاهم في كل صغيرة، وبين خواء الذات واهتزاز الثقة في النفس، ارتباط خفي قلّ من يتنبه له! وأول خطوة في ذوبان الشخصية وفقدان الثقة في النفس: الانشغال بطلب رضا الخلق والسعي في استمالتهم مهما كلف الأمر.
كلما تمادى الإنسان في تتبع مراضي الخلق وحرص على موافقتهم، اشتد عليه القيد الذي يكبل به نفسه، وغاب جوهره ولم يبقَ إلا ظله! كل واحد من هذا الخلق يريدك على ما يحب هو، ولو كان في ذلك إسقاط لاعتبارك في الحياة، ثم لا تلبث أن تجد نفسك مرقعًا بأمزجتهم وميولهم وأنت لا شيء! فتحرر من قيد الحرص على إرضاء الخلق، فإن ذلك يُفضي بك إلى نُكران نفسك ليرضى عنك غيرك!
مضى علينا وقت ونحن نعتقد أن بعض صوابنا خطأ وبعض خطئنا صواب! وما ذاك إلا أننا جعلنا طلب رضا الخلق متسلطًا على تفكيرنا، وحاجزًا عن إعمال عقولنا.
الخلق لا يحتملون منك مخالفتهم، ومهما وافقوك وأظهروا لك الوئام فهم على الود ما دمت متابعًا لهم، فإذا خالفتهم قُضي الأمر وكان فراق بينك وبينهم! ومن كمال عقل المرء ألا يعوّل كثيرًا على إرضاء الخلق وإشباع غرورهم؛ فالبعض لا يرضى عنك إلا إذا سلمته قيادك، ولسان حاله: أغمض عينيك واتبعني!
تحرر من النظر إلى الخلق، والسعي المستميت للحصول على شهادة اجتياز أذواقهم ورغباتهم، والقناعة بأفكارهم. ضع بصمتك كما تحب أن تكون ثم غادر! فما أُعطي المرء عطاءً خيرًا له في ثبات مبادئه وانطلاق روحه في آفاق الحياة من التحرر من سلطة الخلق وطلب مراضيهم على حساب نفسه.
أعظم عتق تهديه لنفسك: أن تنعتق من قيد نظرة الخلق إليك وتقييمهم لحياتك ومنجزك؛ فأنت للخالق ولست للخلق! الخلق كلهم يريدونك لأنفسهم، والله العزيز الجليل وحده يريدك لنفسك!