قلم التقييد
عن مصاحبة القلم أثناء القراءة، وأثر التقييد والكراس في الفهم والاستيعاب وتثبيت ما يُقرأ.
{الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ}
ليس بعد هذا البيان من برهان على أن القلم أساس في عملية التعلم. فقراءة بلا كتابة ترسخ أفكارها وتُجلي غاياتها، قليلة الجدوى. عن قتادة قال: «القلم نعمة من الله تعالى عظيمة، لولا ذلك لم يقم دين، ولم يصلح عيش».
إذا أردت أن تصل إلى مرحلة القراءة المثمرة، فلا بد أن يصحبك القلم والتقييد، وإلا فإن غالب قراءتك ومطالعتك ستذهب أدراج التفريط! والتقييد أثناء القراءة يعادل في مقدار الاستيعاب والفهم قراءة الكتاب مرات، وهو مع ذلك يشغل جميع الحواس ويجعلها عاكفة على المقروء لا تلتفت عنه. وقراءة لا يصحبك معها قلم التقييد ينقصها الكثير من الشغف والإثارة، وتفقد معها الصيد الوفير الذي تصادفه أثناء رحلتك!
الكثير من الأفكار ترد على أذهاننا أثناء القراءة؛ البعض يعترض على تقييدها في هوامش الكتاب خشية أن يتسخ الكتاب! هكذا لن تستفيد من قراءتك. ومن وسائل معالجة شرود الذهن أثناء القراءة: استخدام الأقلام الملونة في تحديد المهم، وما يجب حفظه، وما تريد نقله إلى كراس، وغير ذلك.
ولقراءة مثمرة ركّز أثناء قراءتك على التقييد والإشارة للمهم، ثم أعد النظر بتمعن فيما أشرت إليه من أفكار رئيسية، وحاول أن تعيد صياغتها بأسلوبك. وإن كان ما تقرأه ثمينًا ويستحق العناء، فكذلك يجب أن يكون شعورك تجاه كراسك الذي تنقل إليه علمك وتثبت فيه أفكارك وتأملاتك، هو في الحقيقة كنزك!
اعتدت أن أمسك بالقلم الرصاص أثناء القراءة، أشعر أنه جزء من الفعل، عدمه يربكني. وقد يكون الكتاب ذا سلطان لفرط حاجته إلى التركيز، فأطرحه على مضض وعيني ترمقه! وهذا المجلد الأول من مدارج السالكين للإمام ابن القيم، انتهيت من قراءته، ولكني لم أتذكر تفاصيل ذلك إلا حين تبينت التدوينات ومظان الفوائد المقيدة. الكتابة والتقييد أثناء القراءة هي تثبيت للأثر الذي نتج عن المقروء، واستخلاص لزبدة الأفكار والمعاني من النصوص، وهي بمعنى: تاريخ القارئ مع كتبه.
إذا قرأت كتابًا فلا تغادره حتى تضع عليه بصمتك، ولا يكون ذلك إلا إذا صحبك القلم أثناء قراءتك.