مكتبة تركي الغامديالتدوينات

الدين والقيم ·

برد اليقين

عن أثر الإيمان واليقين بالله في تثبيت المؤمن عند الشدائد، وعلاج الوساوس والشكوك، والاعتصام بالله عند تشعب السبل.

الإيمان إذا تغلغل في شعب قلبك تجده: يطهرك من الأدران، يزكيك من الخبث، يرقيك إلى مقامات المخبتين، يواسيك إذا دهمك بؤس الحياة وشدتها.

الإيمان بالله واليوم الآخر شأنه عظيم في تثبيت المؤمن عند نزول النوائب وحلول الملمات، فعلى قدر رسوخ اليقين في النفس يكون الصبر والسلوان، ومن عرف الله في الرخاء يجده خيرًا مما يظن في أوقات العسر والشدة.

نعيم المؤمنين في الدنيا ليس ببذخ المعاش وترف الأجساد، ولكنه برد اليقين بالله والثقة بموعوده، قال سيدنا علي رضي الله عنه: «لو كشف الغطاء ما ازددت يقينًا». ومن الدعاء: «وأسألك برد اليقين»، وهو ما يجده المؤمن من طمأنينة في القلب وراحة في النفس، لثقته بربه وقوة إيمانه بقضائه وقدره.

الاستسلام للشبهات والشكوك من أول خاطر دليل على ضعف اليقين بالله عز وجل، بله انعدامه أحيانًا، ومنشؤه هشاشة الأسس التي قام عليها الإيمان في قلب العبد. فإن تأسيس الإيمان وتوطيد دعائمه على بصيرة ويقين مسألة جوهرية تلزم كل قادر بصير، فالعذر هنا منتفٍ لعدم وجود المانع والصارف عن العلم.

أفكار مقلقة، وهواجس محيرة، تكدر صفو البال، وتضطرب معها الحال، تهجم بلا مسبب، وترسخ فلا تتزحزح، تصيب الإنسان بالضعف، فيعجز عن مقاومتها ويستشعر دوامها أبدًا، يبحث فلا يجد طريقًا يشفي علتها، ويقتلع جذورها. فإن اليأس يقويها، والتعافي يكون بتقوية اليقين بالله فهو يهدي السبيل.

إذا تشعبت السبل حارت العقول وتشوشت الأفكار وفقدت الغاية، ولم يبقَ من مذاق الحياة إلا مرارة الشتات. وكم في هذه الآية من بصيرة لمن أراد النجاة: (وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، فخذها بقوة ورددها تجد نفسك في حصن الولاية.

لقد مرت بي الكثير من الأزمات والإخفاقات ولا زالت. وغاية ما يستطيعه من هم حولي هو التخفيف عني بكلمات، أو لومي وتأنيبي على ما قد فات. لكن الدعم الحقيقي كان يصدر من داخلي، مستعينًا بالله على النهوض بعد كل عثرة، وبالأمل إذا تغشاني اليأس، وبالصبر على الألم حتى يقضي الله.

إذا فقدت عزيزًا فعلق قلبك بالله عز وجل ليمتلئ فراغه ويطيب عزاؤك. فالمؤمن بالله ليس وحده أبدًا ولو كان في المنفى أو في صحراء قاحلة.