مكتبة تركي الغامديالتدوينات

الإنسان والحياة ·

ليس لزامًا عليك أن ترضي الجميع

دعوة إلى التحرر من طلب رضا الناس والانشغال بآرائهم، وتقديم رضا الخالق والثبات على السجية.

تخيّل نفسك وأنت تحاول أن ترضي جميع الخلق، وتتماشى مع أهوائهم ورغباتهم وميولهم وأمزجتهم! باختصار: ستنسى من أنت، وتذوب ملامحك وسط الحشود.

لا يزال مترسخًا في طباع بعض الناس أن من لا يوافقهم الرأي، ولا يقدم قولهم على قوله، فهو ناقص في نظرهم. وقد يتمادى الأمر حتى يصبح رضاهم عنك مشروطًا بموافقتهم في كل شيء. ثق أن بعض الناس لن يرضوا عنك إلا إذا تبعتهم، وأعلنت تأييدك لهم، وتجرّدت من استقلال شخصيتك.

والانشغال بآراء الناس في كل شاردة وواردة حفرة يقع فيها كثير من النابغين والنابهين، بإدراك أو بغير إدراك، وقد يكون ذلك سببًا في فقدان ثقتهم بأنفسهم، وانصرافهم عن أهدافهم. وما أشد ما يرهق الإنسان أن يظل مشغولًا بما يقوله الآخرون عنه، وكيف ينظرون إليه، وهل يعجبون به أم يسخرون منه!

والإنسان، مهما بلغ من العلم والفضل، يبقى معجونًا بالأخطاء، مكبلًا بالتقصير. وقد يرتقي بعض الناس بإنسانيتهم فتقل أخطاؤهم، ولكن ذلك لا يجعل آراءهم المعيار الذي ينبغي أن نقيس به أنفسنا كل يوم.

لا تكترث كثيرًا بآراء الآخرين؛ فكثير منها أمزجة تتغير، ومواقف تتبدل، كل بحسب هواه وصفاء أوقاته أو تكدرها. واحتفِ أنت بما يسعدك، وما تجد فيه تحقيقًا لذاتك وأهدافك. لا تفرّط فيما أحببت من هواية أو غاية لمجرد أن الآخرين لا يشاركونك الاهتمام بها.

وليس من الحكمة أن نفترض أننا نستحوذ على اهتمام الناس، فنحمّل نفوسنا من الكلفة والمشقة ما لا تحتمل. فالناس في أفلاكهم منشغلون، ولكل إنسان همومه وغاياته. والأجدر بنا أن نتحرر من قيود التعلق برضاهم، فلا يكون رضاهم قبلتنا، ولا تصبح نظرتهم إلينا ميزان قيمتنا.

ومهما بلغ الإنسان من المنزلة بين الناس، وأحاط به الإقبال والتقدير، فلا ينبغي أن يسرف في ثقته بنفسه تعويلًا على ثنائهم وتوددهم؛ فقد يحجب عنه الإعجاب عيوبه، ويعميه عن زلاته. وما أسرع ما ينقلب الإقبال إدبارًا، والتودد نفورًا.

ليس لزامًا عليك أن ترضي الجميع؛ فهذه غاية ميؤوس منها. عليك أن ترضي خالقك، ثم تعرف حق نفسك في استقلال الرأي، بعيدًا عن التبعية العمياء للخلق.

كن على سجيتك، وسيأتيك نصيبك من التقدير والمحبة. فمن أحبك كما أنت، بلا تزييف ولا نفاق، استحق منك المحبة والوفاء. ومن أعرض عنك لمجرد أنك لم توافق هواه، فلا تجعل إعراضه عبئًا على روحك.

فإن من تتبعت نفسه مدح الناس، وتألمت من ذمهم، تشوهت روحه، وذهب عيشه.