السيرة الذاتية قصة فكر
جولة في أهم السير الذاتية الفكرية والروحية، من مل وراسل ويونغ إلى طه حسين وجلال أمين وروسو وبرديائف.
يقول كولنجوود في تصديره لسيرته الذاتية: «السيرة الذاتية لمن يكون التفكير عمله ينبغي أن تكون قصة فكره». وذلك على وجه التحديد ما فعله برتراند رسل في «فلسفتي كيف تطورت».
كُتب «تقرير إلى غريكو» على اعتبار أنه سيرة ذاتية فكرية، وباعتقادي أنه أبعد ما يكون عن ذلك. وما كتبه جون مِل عظيم وأحق بوصف سيرة علمية فكرية؛ فسيرة جون ستيوارت مِل الذاتية أحد أهم كتب السير الذاتية (العلمية الفكرية).
عانى كارل غوستاف يونغ (مؤسس علم النفس التحليلي) من تجربة مريرة «مواجهة مع اللاوعي». كان يكتب كل ما يراه ويسمعه في كتاب له جلد أحمر سماه بالكتاب الأحمر، وهو بمثابة سيرة ذاتية روحية ليونغ، وضع فيه ما لم يدونه في مؤلفاته العلمية، وكتابة هذا الكتاب امتدت لست عشرة سنة عاشها يونغ بعزلة.
ومن أكثر التجارب والمعالجات ثراءً وإبداعًا فيما يتعلق بإشكالية شعور اللاجدوى والعبثية وغياب المعنى (الوجودية البائسة)، نجدها بكثافة في سيرة كولن ويلسون الذاتية «حلم غاية ما»، وباقي مؤلفاته، خاصة «اللامنتمي» و«ما بعد اللامنتمي».
وكتاب «الأيام» أشهر من أن يعرف، وهو بجانب قيمته الأدبية الرفيعة، باعتباره طرازًا فريدًا من السير الذاتية لشخصية أدبية قل أن يجود الزمان بمثلها، وصدق وعذوبة وطلاوة أسلوب، وهي مزايا يكاد يستأثر بها، فإن هذا العمل يمهد للقارئ معرفة الروافد الفكرية والثقافية التي شكلت منهج طه حسين.
و«قصة نفس» إحدى ثلاثيات د. زكي محمود (قصة نفس، قصة عقل، حصاد السنين)، تناولت الكتاب بقصد تصفحه، وما إن بدأت حتى شعرت بقلقٍ يهز أعماقي، فتوهمتها نفسي تكشف عن حقائقها، ولعلها سيرة كل نفس!
وبفكر عميق وقلم شديد السلاسة، يحول جلال أمين سيرته الذاتية إلى أداة سبر للمجتمع الذي نشأ فيه، فإذا به يقارن بين ظروف نشأته وظروف نشأة والده ومن ثم أولاده وأحفاده، ويرجع الملاحظات الخاصة إلى ظواهرها وأصولها العامة، فيربط الخاص بالعام، ويتحول الفرد إلى مرآة عاكسة لمجتمعه.
وكتاب «الاعترافات» لروسو يقع في 900 ص، ويعد من روائع كتب السيرة، بث فيه روسو لواعج قلبه، ونداءات عقله. لخص فيه معاناته في الوحشة، والشعور بالاغتراب، والحنين إلى طبيعة إنسانية أكثر براءة وأوفى صدقًا. يؤسس في اعترافاته لخطاب فلسفي حول الذات والحياة والزمن والتاريخ.
ومن أعجب السير الذاتية إلى نفسي وأشدها عمقًا: «الحلم والواقع» لنيقولاي برديائف، والكتاب كله جديرٌ بالاقتباس والتأمل.