مكتبة تركي الغامديالتدوينات

الإنسان والحياة ·

سياسة النفوس

تأملات في النفس الإنسانية: مجاهدة أهوائها، والترفق بها، وأمراضها الخفية، وما تكنه الصدور خلف الظواهر.

نفوسنا هي ساحات الجهاد التي نجاهد فيها أهواءنا ورغباتنا المنفلتة من زمام الشرع والأخلاق والقيم! ومقابلة الإساءة بالإحسان، والتعدي بالعفو والصفح، أثقل على النفوس من جبل، وأوجع لها من غرز نصل، ولكن الفائز فيه يرقى إلى أعلى مقامات المكارم والمروءات، فهو تحدٍّ لكبح أهواء النفوس الراغبة في الانتصار والثأر، ثم هي تنتفش على لا شيء.

ومن سياسة النفوس عدم التزمت في فرض القيود عليها، ما لم يكن في ذلك ما يسوؤها، فمن شأن إخضاعها للمطامح العالية على الدوام، دون الأخذ بالاعتبار حاجتها للتحرر من قيود الفاعلية والمثالية المرهقة لها، النفور الكلي طويل الأمد، بحيث ينتابها الجمود، وتفقد حس المسؤولية. وفي أمراض النفوس، وعلل الأرواح، من تقييد الأبدان، وتثبيط الهمم، ما لا تفعله قيود السجان.

قال بعضهم: «حادثوا هذه النفوس فإنها سريعة الدثور»، كأنه أراد: اصقلوها واجلوا الصدأ عنها وأعيدوها قابلة لودائع الخير. (التوحيدي)

الظواهر خوادع مهما كان ما تبديه، والنعيم والجحيم كامنٌ في دفائن الصدور، هناك حقائق الحياة التي تنطوي عليها النفوس، الحقائق التي لا يمكن أن تزيف. والمشاعر مرايا تكشف خبايا النفوس! ومكنونات النفس أسرارها، بل أثقالها التي تنوء بحملها، فإذا بلغت النفوس جهدها فاضت بمكنونها وباحت بسرها، فينتهك! ومن الخير لنا ولمن حولنا ألا نصطنع المواقف لنستدعي بها ردات الفعل، ومخبآت النفوس.

والشماتة من أخلاق اللئام، وهي من نفث الشيطان في النفوس المريضة، التي تفرح بالسوء والعثرات، نفوسٌ لا يتم لها الفرح إلا بحزن الآخرين وعذاباتهم. فمن كان في عافية فليحمد الله، فإن البلاء موكّل بالمنطق.