مكتبة تركي الغامديالتدوينات

الدين والقيم ·

حسن الظن بالله

في معنى حسن الظن بالله، وصلته بالصبر وانتظار الفرج، وأثره في طمأنينة النفس وطيب العيش.

إن كان من كلمة تقال في علاقة العبد مع ربه، فهي حسن الظن بالله عز وجل، وهو لا يتخلف عن حسن العمل، ولا يُنسى ولو حصل الزلل.

الثقة بالله أن تعلم يقينًا أن تدبير الله أجدى وأوثق وأصلح لك من تدبيرك لنفسك، فترضى بقضائه وقدره. وحسن الظن بالله أن تتحرى الخير في قضائه وقدره.

أماني الإنسان وطموحاته، وتحريه المسرات، وانتظاره الفرج، ورضاه عما قدر له، كل ذلك يغذيه حسن الظن بالله، فمن لا يحسن الظن بربه لا يحسن الحياة، ويفتقد الإحسان إلى نفسه أو غيره.

العيش الطيب، والرغبة في الحياة، والإقبال على ما يعزز الغاية والمعنى من وجودها، مطلبٌ للإنسان لا يوازيه غيره. وإن أوسع طريقٍ وأنهج سبيل يوصل إلى ذلك يقينًا بفضل الله هو: الأمل في الله عز وجل وحسن الظن به، على كل حال.

ما من عسرٍ إلا ويعقبه يسر، وما من ضيقٍ إلا وفي إثره فرجٌ قريب، وما أسرع ما ينزاح الهم عن كاهل المهموم، ويشرق محياه بعد كسوف. ويستلذ الصبر إذا خالطه حسن الظن، وانتظار الفرج عبادة.

وزوال الكرب والمصاب منوطٌ بالصبر وانتظار الفرج، وخير ما يعطى المبتلى قبل تحقيق مطلوبه الثقة بالله وحسن الظن به سبحانه وتعالى، فإنه لا يبالي معهما بمكروه نزل به، ما دام يحسن الظن بربه ويرجو عافيته. وفي مسألة أن الفرج منوطٌ بالصبر وحسن الظن بالله تعالى، فهذا حال رسل الله، خير الخلق وأكرمهم على الله. قال تعالى في سورة يوسف: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ...﴾.

من أحسن الظن بالله لا يبالي بالبلاء، فقد أيقن أن تحت البلاء عطاء، وفي المحنة منحة، وعند الصباح يحمد القوم السرى. وأكثر ما يتوقع من الشرور والمآسي لا يقع، لأنه من عمل الشيطان ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وهو بخلاف حسن الظن بالله عز وجل، فإن بيده الخير وهو على كل شيء قدير.

دائمًا يوجد ضوء في آخر النفق، وإن كنت لا تراه ولا تشعر به جراء سطوة الألم وظلمة الواقع. لقد مررت بأوقات عصيبة داهمني فيها الشيطان بتيئيسه وتخذيله، وانتشلني كما الغريق حسن الظن ورجائي وروح الله.

لا بأس إن خاب ظنك، أو تجاهلك الناس، فقد جحدوا المنعم المتفضل عز شأنه قبل ذلك، وقد شكا من ألم الجحود والنكران من قبلنا أقوام هم خيرٌ منا، وفي زمانٍ خيرٍ من زماننا، وتحيروا في شأن هذا البلاء فلم يجدوا له دواء إلا الصبر والسلوان، والعودة بحسن الظن إلى الله، فإنه لا يخيب راجيًا.

والأمل والثقة وحسن الظن بالله ليست مجرد مشاعر عابرة، بل هي حياة للروح والجسد. يقول ف. فرانكل: «إن أولئك الذين يعرفون مدى الصلة الوثيقة بين الحالة الذهنية للإنسان، شجاعته وأمله أو افتقاره إليهما، وحالة مناعة جسده، سوف يفهمون أن فقدان الأمل والشجاعة بشكل مفاجئ يمكن أن يكون له تأثير مميت».

وفي الأثر: «أفضل العبادة انتظار الفرج» من الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، فإيمانك بربك، وثقتك بوعده سبحانه وتعالى، وحسن ظنك به، طريق نجاتك.

دعِ المقاديرَ تَجْري في أعنَّتِها ... ولا تبيتَنَّ إلا خاليَ البالِ
ما بين غَمضةِ عينٍ وانتباهتِها ... يُغيِّرُ اللهُ مِن حالٍ إلى حالِ

ما أقرب الخير والفرج ممن حسن ظنه بالله.