تجديد دماء المكتبة
عن ترتيب المكتبة الشخصية وتقليب كتبها بوصفه تجديدًا لروح القراءة، وكشفًا للمخبوء، وعملًا لا ينتهي.
قد يكون ترتيب المكتبة، وإعادة تنظيم بعض أجزائها، أمرًا هامشيًا عند البعض، ولكنه بالنسبة لي أشبه ما يكون بإعادة تهيئة، وتجديد دماء المكتبة، وروح القراءة، وإيقاظ الشغف بالمعرفة. وفي هذه العملية تكمن كنوزٌ معرفية، وأسرارٌ روحية، ومهاراتٌ إبداعية، يجد القارئ مذاقها في عقله وروحه.
ولهذا الهوس بالتنظيم والاهتمام بالترتيب ما يبرره، على الأقل بالنسبة لي، على أنني لم أتبين أسبابه وأعيها جيدًا، خاصة ما يتعلق بتكديس الكتب أمامي، إلا بعد زمن طويل. فضيق المكان وتراكم الكتب جديدها مع قديمها يجعلها بعيدة عن العين لا حظ لها من النظر، فلا تبرز إلا عند التدوير والتقليب! وإعادة ترتيب المكتبة وإخراج كنوزها المخبأة من مدد متفاوتة ضروري جدًا للوقوف على النفيس من الكتب بين زواياها وأعطافها.
القارئ في مكتبته (عامل) لا يكف عن تقليب كتبه وتدويرها، بمعنى تقديم المتأخر وتأخير المتقدم، وإبراز المخفي وتحييد الظاهر غير المهم ليترك مكانه للأهم. الكتب تتخفى وتتوارى عن نظر الكتبي، فيلزمه البحث والتقصي حتى يعطي لكتبه بعض الحق، أما أن يأخذ كل كتاب حقه فهذا متعذر سوى للقليل المنتقى.
وقتٌ مستقطع لتنظيم المكتبة، وتنظيف الكتب وتقليبها، وتجديد العهد بالقديم منها، والتصالح مع المهجور، واكتشاف المخبوء من كنوزها. فإن كثرة الكتب تفعل فعلها، فينسي الأخير منها الأول، وعندما يُكتشف يجلب معه فرحة الجديد، ولهفة الاكتشاف والتعرف.
في كل الأعياد التي مضت، والقادمة بإذن الله، وجدت في مكتبتي أيقونة الفرح، أحاول في كل مرة أن أبتكر في تنظيم أجزائها، وغربلة محتواها، فتصبح جديدة، وأرى فيها ما لم تبصره عيني من قبل، وتسبغ على قلبي مزيد محبة وامتنان.
وهناك وظائف أخرى يستطيع القارئ القيام بها في حالة (حبسة القارئ)، منها: إعادة ترتيب بعض أجزاء المكتبة، والتصفح السريع للكتب بطريقة عشوائية.
ويحسن بمن لديه مكتبة أن يكون له عناية بموضع كتب التفسير والسنة منها، ألا تكون دون غيرها في مكانها ومكانتها، تعظيمًا لكلام الله وكلام رسوله.
أما تنظيم المكتبة فأشبه بمن يبني كوخًا من الرمال على شاطئ البحر، كلما فرغ منه أتت موجة فذهبت به!