النقد بحق وعدل وعلم
في شروط النقد البناء وآدابه: أن يستهدف الأفكار لا الأشخاص، ويقوم على العلم والعدل والنية الخالصة، وغايته التصحيح لا الهدم.
لا يكمن الإشكال في مبدأ النقد، فهو بابٌ من التصحيح والاستدراك لا يعارضه إذا قام على أصوله أحدٌ ممن عرف قدر العلم ومنزلته. ولكن متى نصل إلى مستوى من النقد البناء الذي لا يستهدف الأشخاص، ولكنه يستهدف الأفكار بقصد التصحيح والبناء، وليس التشفي والانتقاص؟
النقد لا يعني دائمًا إلغاء الفكرة، ولكنه مساهمة في تصحيح المسار وتلافي الخلل. وفي باعث الشك: من المسلمات النقدية أن هدف توظيف هذه الآلية هو أنها عاملٌ لكشف الحقيقة، فإن تجاوزت هذا الغرض، فقدت قيمتها، ولم تنتج المطلوب.
النقد إذا لم يكن بحق، وعدل، وعلم، فلا خير فيه. والوعي قيمة إذا لم تمتلكها فلا يحق لك بحال ممارسة النقد، لأن التصورات لديك ستصبح مبتورة! ولا أهتم بالنقد المجرد بقدر ما أهتم بعقلانية الناقد وسلامة تصوراته.
لا يمكن للناقد أن يكون متجردًا للحق وهو ينقد بسفه، ولسانه سليط، وتعبيره يتنقص، وحروفه تتراقص فرحًا بعثرة أخيه وزلته، إذا لم يكن هوى فلا أدري! وينبغي لمن صدر نفسه للنقد منطلقًا من نظرته الخاصة، أن يكون متحريًا وموضوعيًا. فكما أن عدم المبالاة وانعدام المسؤولية يعد مؤاخذة، فكذلك الإفراط في تجسيد المثالية هو من سوء التقدير وتفشي الأوهام وقصور الوعي.
والمقصود أن من أراد أن ينقد مسلكًا، أو يفند أخطاءً، وكانت نيته خالصة من حظوظ النفس، فإن قليل الكلام يغني عن كثيره، واللبيب تكفيه الإشارة.
النقد البناء الذي غايته بيان الحق، ومنهجه العدل، ومنطلقه العلم، يحتاج إلى جهد وبصيرة، للكشف عن مكمن الخطأ وموضع الإشكال، وبيان ذلك بروح العلم، وهذا ما لا يستطيعه من كان منطلقهم التصيّد وتتبع العثرات.