الإعادة ليست مجرد قراءة أخرى
تأملات في جدوى إعادة قراءة الكتب، وما تكشفه القراءة الثانية وما بعدها من فوائد لم تنكشف في الأولى.
دائمًا ما تكون القراءة الثانية أكثر فائدة واستيعابًا من القراءة الأولى… ولكن المشكلة أننا قد لا نعود لقراءة الكتاب مرة أخرى! في القراءة الثانية للكتاب تقفز الفائدة منه بمقدار الضعف، فالغالب على القراءة الأولى أن يتوجه قدر كبير منها نحو الكشف عن الأفكار دون استيعابها.
كنتُ على خطأ حين اعتقدت أن بإمكاني استخلاص جميع المعرفة من الكتاب في قراءتي الأولى، ثم تبين لي أن في كل تكرار للقراءة هناك فرصة لمعرفة جديدة. وكثير من الكتب التي لا تفصح لك عن أسرارها من أول مرة، والتي تحتاج معها إلى طول تأمل ونظر وتقليب فكر، تحتاج أكثر من قراءة! هذه معضلة معرفية.
«تخضع الكتب للتحولات بحسب تسلسل قراءتها» — مانغويل. وهذا الملحظ المهم لا يتنبه له إلا من يعيد قراءة بعض الكتب لأكثر من مرة في مدد متفاوتة! قرأتُ كتبًا وأنا مشوش الذهن مبعثر الهم فلم أحصد منها إلا الشتات؛ ثم طالعتها ثانية بصفاء ذهن وخلو من المنغصات فتدلت ودنت مني ثمرة فوائدها.
وكثرة معاودة قراءة نفس الكتاب الذي تعثر فيه القارئ في مدد متفاوتة تفتح مغاليقه بإذن الله، خاصة إذا توسع القارئ في تتبع مراجع الكتاب ومصادره. وإذا كان القارئ يقرأ بتمام وعيه وإدراكه، وكمال نضجه وبصيرته، فإنه يندر أن يكتفي بقراءة تفهُّم واحدة، ولكنه يشعر في كل مرة بقصور يستدعي إعادة.
أعد القراءة وسترى الخلل! أكثر ما يتبين لي بسببه أهمية الإعادة، أنني عند إعادة قراءة كتاب، أجد بعض الأفكار المهمة التي لم أقف عندها وأُشير كما أفعل عادةً، فهذا يستدعي إعادة النظر في أسباب هذا الخلل، كيف تجاوز العقل هذه المهمات مع حرصه عليها. دليل على أن القصور أصل في الطبيعة البشرية.
إعادة القراءة قراءة مستأنفة تأتي بفوائد جديدة. قال المُزَني: «أنا أنظر في كتاب الرسالة منذ خمسين سنة، ما أعلم أني نظرتُ فيه مرَّةً إلا وأنا أستفيد شيئًا لم أكن عرفته».
من لوازم القِراءة النافعة، أن نتأنى، ونقرأ ما بين السطور، ونُعيد القراءة والنظر، المرة بعد المرة، فالإعادة ليست مجرد قراءة أخرى، بل اكتشاف فوائد جديدة لم تنكشف لنا في المرة الأولى. (إنك لا تنزل نفس النهر مرتين) إلى أن تنطبع المعاني في عقولنا، فنحوز اللذة والمعرفة على حدٍ سواء.