السلامة في الاتزان
تأملات في العلاقة بين العقل والعاطفة، وحاجة كل منهما إلى الآخر، وضرر تحكيم العاطفة في طلب العلم.
إن للعاطفة شجاها، كما أن للعقل صولته! وفي وقت تنقض فيه مخالب الماديات على روح الإنسان وتفترس وجدانه، هناك من يلمز أصحاب العواطف الجياشة بالخور والضعف، وما علموا أن الشجى يبعث الشجى. والاستسلام للعاطفة أحيانًا لا يعني بحال انهزام العقل، ولكنه إظهار وتنفيس عن لواعج النفس وأشواق الروح.
ولا يستقيم مسار التفكير وإبداع العقل وهو بمعزل عن العاطفة التي تضفي عليه روح الاتزان، وتحجزه عن الاستبداد، وتربطه بمقاصد الحياة وتجلياتها.
لكن ليس للعاطفة ميزان! والخواطر والوجدانيات التي تدغدغ المشاعر وترهف الإحساس إلى حين، هذا منتهى ما تصل إليه بتأثيرها. والمبالغة في الاهتمام بها يضعف جانب التعقل، فتفسد فضيلة الموازنة والمحاكمة العقلية؛ فإذا اعتاد الإنسان ترهيف قلبه وتدليل مشاعره قدّم قلبه، وفرّط في صيانة عقله، وصقل أدوات تفكيره. وليس أضر على المتعلم من تحكيم العاطفة وتغييب العقل عند إرادته تلقي العلم؛ فإن ذلك يغشي البصر ويطمس البصيرة، فلا يصل المتعلم إلى الحق.
عقل بلا عاطفة بركان مدمر، وعاطفة بلا عقل بحر هائج، والسلامة في الاتزان والتحرز في الميزان!