مكتبة تركي الغامديالتدوينات

التراث والتاريخ ·

عريق النسب في الفقر إلى الله

صورة لشيخ الإسلام ابن تيمية من خلال من ترجم له، ومن أخباره في زهده وعزته وهيبة مجلسه وبره بأمه.

ترجم علماء المذاهب الأربعة لشيخ الإسلام ابن تيمية: أربعة من الحنفية، وسبعة من المالكية، وثمانية وعشرون من الشافعية، وأحد عشر من الحنابلة. وعيون تراجم شيخ الإسلام ابن تيمية ثلاث، كما قال العلامة بكر أبو زيد: ترجمة تلميذه ابن عبدالهادي، وترجمة الإمام ابن رجب، وترجمة الإمام ابن كثير في تاريخه.

ومن أهم السير التي كتبت عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هي التي خطتها أنامل المفكر الحكيم أبي الحسن الندوي، وقد خصص الجزء الثاني من كتابه رجال الفكر والدعوة في الإسلام لهذه السيرة العطرة، وقد أبدع وتفنن في سرد أحداثها، وكشف جوانبها، وجمع أطرافها بحكمة ونظرة ثاقبة.

ومن أسباب الظلم في الحكم على الأشخاص الجهل بحقيقة أقوالهم، وتقليد الآخرين في الأحكام دون تحري الحق. وهذا ما وقع للشيخ عبدالحي الكتاني حين ذم شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمهما الله، قبل أن يتمكن من مطالعة كتبه والوقوف على حقيقة منهجه، ثم تراجع وكتب ترجمة طيبة لابن تيمية في فهرس الفهارس.

كان شيخ الإسلام ابن تيمية يفتخر بأنه عريق النسب في الفقر إلى الله، فيقول:

أنا المكدي وابن المكدي ... وهكذا كان أبي وجدي

والمكدي: الحمال أو الشحات. وكان ابن تيمية قليل تناول الطعام والشراب، وينشد كثيرًا:

لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد

وكان فارغ النفس من ملاذ الطعام؛ حكي أن أمه طبخت يومًا قرعًا مرًا، فتركتها على حالها، فجاء ابن تيمية وسأل: هل عندك أكل؟ فأخبرته أمه بذاك القرع المر، فأكل وما أنكر شيئًا.

قال الملك الناصر لابن تيمية ذات مرة: سمعت بأن الناس أطاعوك، وأنت تفكر في الحصول على الملك، فرد عليه قائلًا بصوت عال سمعه الناس الحاضرون كلهم: «أنا أفعل ذلك؟! والله إن ملكك وملك المغول لا يساوي عندي فلسًا».

وطالما تعجبت من هذا الوصف لمجلس شيخ الإسلام ابن تيمية والعلم يتزاحم عليه. يقول الحافظ أبو حفص البزار: «يجري كما يجري التيار، ويفيض كما يفيض البحر، ويصير منذ يتكلم إلى أن يفرغ كالغائب عن الحاضرين، مغمضًا عينيه، ويقع عليه إذ ذاك من المهابة ما يرعد القلوب، ويحير الأبصار والعقول».

ورسالة ابن تيمية إلى أمه تتجلى فيها العواطف اللطيفة، والحب البريء، والتشوف إلى البر، وطموح ورجولة وعزم.

وما أحرى شيخ الإسلام ابن تيمية، قدس الله روحه، بقول ابن الرومي:

لولا عجائب صنع الله ما نبتت ... تلك الفضائل في لحم ولا عصب