مكتبة تركي الغامديالتدوينات

الدين والقيم ·

والحق أحق أن يتبع

تأملات في الكبر والعناد صارفين عن الحق، وفي أن التواضع واتباع الحق طريق التعليم والتوفيق من الله.

الرجوع إلى الحق وإن كان مكلفًا وعسيرًا أحيانًا، إلا أنه خير من التمادي في باطل عواقبه وخيمة؛ {والحق أحق أن يتبع}. إذا تجلى للإنسان الحق، فإن من سداد الرأي، وتمام الرشد، أن يأخذه بقوة، وأن يفرح به. فالحق عزيز، يتأبى على المعرض المتكبر، فقد ينصرف عن المعرض المتكبر فلا يحظى به أخرى، ويبقى في عماية عن جهله، وقد غش نفسه، ومنعها عز الحق، وسرور الصواب، ودنسها بغرور الجهل، وزيف الباطل.

وليس كل من عرف الحق وتيقن منه خضع له.

إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأول ما يجني عليه اجتهاده

قد يغالط الإنسان الحق عند المواجهة، مع أنه راسخ في نفسه متيقن به؛ فهو في الظاهر معاند مكابر، فإذا خلا بنفسه تألم وأنبه ضميره.

قوله تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق}، قال قتادة: سأمنعهم فهم كتابي. وبهذا يتضح لنا سر إعراض البعض عن الحق: إنه الكبر. تواضع تُعلَّم… تكبر تُصرف. ومتى كان الإنسان جاهلًا أو متحيرًا يفتقد الصواب، أو متشككًا يبحث عن اليقين، فلا يعاند ويكابر، فيختم الله على قلبه، ويصرفه عن الحق، لأنه معاند ليس طالبًا للحق، فلا يستحق أن يهدى ويلهم الصواب. والخذلان: تزيين الباطل في قلوب المعرضين عن الحق.

قال تعالى: {بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج}، قال الحسن: ما ترك قوم الحق إلا مرج أمرهم. وأولئك الذين يجهدون ويستميتون في سعيهم لإثبات باطلهم وترويج شبهاتهم، لو أنهم بذلوا معشار ذلك في طلب الحق لوصلوا بتوفيق الله لهم، {ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين}.

وفي قوله تعالى: {ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله..} قال الطوفي: «يستدل بالآيتين على أن ترك الباطل واتباع الحق يورث التعليم من الله عز وجل. وتعليم يوسف عليه السلام تأويل الرؤيا يحتمل أن يكون بالوحي أو الإلهام أو بتحريك الفكر على النظر والاستدلال».

ومن الأدعية المأثورة والجميلة والمهمة: «اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه». وفيه أنه لا يستطاع اتباع الحق واجتناب الباطل بمجرد العلم دون معونة الله وتوفيقه، وأن اتباع الحق واجتناب الباطل من أعظم الرزق الذي يستوجب الشكر.