مكتبة تركي الغامديالتدوينات

القراءة ·

بين الغربة والإيناس

مقال في العزلة المعرفية: أقوال السلف فيها، وحدّها، وأنس القارئ بها، ومفارقة الغربة والإيناس في القراءة.

عزلة معرفية، وخلوة مع النفس تأملية، أنفع للمتبصر في أحواله من خلطة سقيمة تشتت الأفكار، وربما تنقص المقدار! كان بعض أسلافنا يوصي بالعزلة والتقلل من الخلطة ولو بصديق واحد حفظًا للوقت والحال، ونحن بلينا بالأجهزة المتنقلة نخالط فيها ألوفًا ولا نهتم!

قال أنس رضي الله عنه: «اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم»، سمعته من نبيكم ﷺ. وقال يوسف بن أسباط: سمعت الثوري يقول: «والله الذي لا إله إلا هو، لقد حلت العزلة في هذا الزمان». قال الإمام الغزالي: لئن حلت في زمانه ففي زماننا هذا وجبت!! فماذا نقول؟!

أما العزلة لمجرد الانفراد فليست مطلبًا، وقد تكون مجلبة للوساوس والهموم. وقد قال بليز باسكال: «تأملت اضطرابات البشر والمخاطر والمشقات التي يتعرضون لها، فتبين لي أن كل تعاسة البشر مردها إلى أنهم لا يطيقون الاعتكاف في غرفة!».

والقراءة منبع الفضائل، لذلك لا تكاد تجد قارئًا يستثقل العزلة، فأنسه معه حيث كان. قال حكيم: «إنما يستوحش الإنسان من نفسه لخلو ذاته عن الفضيلة، فيكثر ملاقاة الناس ليطرد الوحشة. فإذا كانت ذاته فاضلة طلب العزلة لتعينه على الفكرة».

ومن مفارقات القراءة جمعها بين الغربة والإيناس؛ فحين تفرض عليك قدرًا من العزلة يتولد عن ذلك غربة، ثم هي تنتشلك من غربتك لتؤنسك بمباهجها المتعالية. ومن يقرأ أشبه بمن يعيش حياتين: إحداهما تتمثل في جسده الذي يمشي بين الناس، والأخرى هي كينونته المعرفية التي يستنير بها عقله وتشرق بها روحه.