صومعة من نور
يصف الكاتب تعلقه الوجداني بمكتبته: موطنًا وخلوة وجزءًا من تكوينه، وشوقه إليها كلما فارقها.
مكتبتي فيها أعتزل الصخب، وأجدد العهد بالمعرفة والعشق بالكتب الملهمة والأفكار النيرة. صحيح أن ما تحويه أكبر من طاقتي وأعظم من منزلتي في العلم، ولكنه بالكاد يرضي طموحي وشغفي بالمعرفة. بيت حكمتي، ومستقري وسلوتي، عوالم في عالم، ومعين لا ينضب. مكتبتي العامرة هنا موطني، ومحط رحالي وسكني ومستقري، لا تشرق نفسي إلا هنا بين رفاقي.
أعشقها، وبذلت فيها من وقتي وجهدي ومالي ما يثبت ذلك؛ هي مسكني ومكان خلوتي، حتى لو لمجرد الجلوس فيها بدون مطالعة. هي جزء مني ومن تكويني النفسي. لقد جهدت في أن أشيد هذا العالم الذي يسمى مجازًا بالمكتبة ليصبح لي صومعة من نور، ولكني لست فيها براهب، إنما متعلم مستنير، أغدو إليها كل حين مكتشفًا وعاملًا، فهي لي مهمة ومسؤولية أحاسب نفسي على التقصير في أدائها.
حقيقة لا يخالطها خيال: إن أتعس اللحظات عندي عندما أفارق مكتبتي، وخاصة للنوم. ذهبت لكي أنام فلم يجد النوم إلى عيني سبيلًا! فهجرت مضجعي وعدت إلى مكتبتي لأجد فيها سلوتي وأنسي. عرفنا من تلتهب نفسه شوقًا، وتشتعل روحه عشقًا، كلما فارق مكتبته أو ابتعد عن كتبه ولو سويعات يسيرات، ثم يعود مشغوف الفؤاد يحتضنها من كل جانب! والقارئ أسير كهف مكتبته؛ فمهما خرج عن حدودها، أو فارق أرضها، فحقيقته أنه لا يفارقها؛ فذاكرتها قد خالطت ذاكرته فلا تمييز بينهما!
كم أحن إلى كهف يأويني في زمن تطرق فيه ملمات الفتن كل جارحة من الجوارح، وما هو بكهف من حجارة، ولكنها مكتبتي تحتضن مواجعي وتربت على روحي! يشعرني ارتباطي بمكتبتي، بين حضور وغياب، ورغبة وإعراض، واستهمام وتلهٍّ، بحكيم كثير الحدب على تلميذه، يتغافل عن رعوناته، ويحتمل جهالاته، رجاء أن تنضج ثمرته، ويؤتي أكله. أنأى عنها فيشتد عطشي، فأعود متهالكًا لأنهل منها، فتجود ولا تبخل، وتبذل ولا تضجر، فسلام من الله عليها إلى يوم العرض الأكبر.